علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
11
البصائر والذخائر
هذا الكتاب - حفظك اللّه - وإن كان قد تأبّط هزلا ، واستبطن سخفا ، وتحمّل « 1 » مزاحا ، فإنّه قد تضمّن « 2 » أدبا وعلما ، وتوشّح حكمة وفصاحة ، ودعا إلى اللّه أمرا وزجرا ، ودلّ على الخير إيجازا وإطنابا « 3 » ، ونشر حكم اللّه رواية واستخراجا ، وأمتع النفس سرارا وجهارا ، فلا تجعل نصيبك منه الخطأ والخطل ، وقد اعترض لك منه العلم والفائدة ، ولا تحكم على مصنّفه وجامعه إلّا بعد أن تستظهر بالحجّة ، وتعتقد الإنصاف ، وتعتمد على الحقّ . وإنما أوصيك بهذا خوفا من أن يقول ما يقول من لا يشفق على عرضه ، ولا يتعقّب فرطات حكمه ، ولا يفلي مواقع رأيه ، ولا يملك خطام « 4 » لسانه ، ولا يبالي بما ووجه به . واستيقن أنّ الكتاب قد حوى « 5 » من الذّهن لواقحه ، ومن العقل قرائحه ، ومن العلم غنائمه ، ومن الفهم نتائجه ، ومن الصّدر ذخائره ، ومن الدّهر سرائره ، ومن الأدب أرواحه ، ومن البال خواطره ، ومن الرّويّة جواهرها ، ومن الحكمة حقائقها ، ومن التجربة أعيانها ، ومن الأمم ودائعها ، ومن الحنكة فرائدها ، ومن الأخلاق محاسنها ، ومن العرب بيانها ، ومن الفرس سياستها ، ومن اليونان دقائقها ومن الشّريعة رقائقها ، فهو « 6 » إذن للكليل شحذ ، وللوسنان يقظة ، وللعقل سمة ، وللعيّ بلاغة ، وللأخرس ترجمان ، وللنّاسي تذكرة ، وللغرير تجربة ، وللأديب عدّة ، وللعالم عمدة ، وللخامل نباهة ، وللمجهول علامة ، وللجادّ محجّة ، وللهازل مفكهة ، وللنّاسك بصيرة ، وللعائل نصيحة ، جمعت فيه كلّ غرّة لائحة ، وحجّة واضحة ،
--> ( 1 ) ل : وتضمن . ( 2 ) ل : تحمل . ( 3 ) ل : اطنابا وإيجازا . ( 4 ) ل : حظا . ( 5 ) ل : جرى . ( 6 ) ل : فهذا .